Category: الدائرة التنموية

يقوم البناء الحضاري على عدة عوامل ومقومات تستهدف تنمية الإنسان معرفيا والرقي بالمكان من الناحية التنظيمية والتشريعية ( فبناء الانسان لا يقل أهمية وتحدياً عن بناء المكان) إلا ان بناء الانسان في ظل بيئة حضارية منتظمة بتشريعات اخلاقية ضامنة يكون ايسر واكثر فاعلية من بيئة عشوائية لا ضامنة ولا منتظمة. فالجانب الثقافي هو عصب البناء ومكمن التحديات في تنمية الوعي ومعالجة التركيبة المعرفية لتأصيل الثقافة المنتجة على أساس فكر إنساني متوازن في معطياته المعرفية بين الدوافع العاطفية والمقومات المادية. فالثقافة في مكوناتها ومقوماتها الشاملة لمفاهيم الحياة، تقوم على العرق واللغة كمكونين أساسيين و على الموروث الديني والاجتماعي كمقومين رئيسيين وما تشملها من فنون وادوات ووسائل ومعاملات وعلاقات.. والأمة العربية قد حباها الله بينبوع لا ينضب في فصاحة وبلاغة…

ثمة فرق بين الدفع المباشر وبين احياء الدوافع الذاتية في التوجيه الأخلاقي والسلوك التربوي . ومن هنا نجد أن كثير من الموجهين والتربويين والدعاة والوعّاظ في خلل سلوكي تربوي له عواقب غير محمودة على النشئ ، وذلك في اعتمادهم على أسلوب الدفع في الموعظة والتوجيه القائم على الاكراه والقصر والفرض الجبري القولي او الحركي ، والذي لا ينتج الا مظاهر شكلية ومؤثرات لحظية يغلب عليها الحدة والغلظة . وهذا الاسلوب ينم عن قصور معرفي يؤدي الى المكننة البشرية والتعصب والسلوك العنيف .. بينما يقوم الاسلوب التربوي والتوجيه الأخلاقي على احياء الدوافع الذاتية التي تؤصل السلوك السوي والمتوازن بدافع ذاتي يجاهد فيها الانسان نفسه ، دون اكراه مباشر من الآخرين . وهذا المنهج نابع عن معرفة اصيلة بمكونات النفس…

إن التعصب للفهم الأحادي مسئول مسئولية مباشرة عن تحويل العاطفة في تعصبها للموروث ( من العاطفة إلى اللا عاطفة باسم العاطفة ) وهذا ما يغذي التطرف الحركي الذي يدفع الجماعات والافراد المتطرفة الى العنف ! وذلك ناتج عن نظرة متشددة لدى الموجه او لعجزه المعرفي من ان يوازن بين الدوافع العاطفية والمقومات المادية بمعطيات معرفية تلامس واقع الحياة في متغيرات علومها وضروريات معيشتها.؟ وهنا يتعرض المتلقي الى توجيه يدفعه الى التطرف الحركي الذي يمر عبر عاملين مؤثرين : العامل الأول : ناتج عن المغذي للتطرف في تكريسه للتعصب للفهم الأحادي . العامل الثاني : يكون من خلال الجهة المحركة له بتكريس تطويعه للتحرك العنيف في استغلال بعض الأحداث او ايهامه بوجوب التحرك لمواجهة اي امر يوهم فيه بانه…

كل ما لا تستقيم الحياة الا به ” او يمس معيشة الناس في كفافها وعفافها ( فهو ضرورة ) والادلة على ذلك اكثر من ان تذكر ” ولكن القلوب الغلف والعقول الصلف ( المائلة الى التسلط والعنف ) لا تريد الحقيقة التي لا تبقي لهم مكاناً ولا مكانة ؟ ومن الحقائق التي لا تروق لمسمع المتنطعة المتشنجة ” ان حماية النفس ( مقدمة على حماية الدين ) وان الاحكام المغلظة ” تحذير من فداحة الضرر اكثر منها تطبيق . ودليل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : وان عادوا فعد .. وقوله : هلا تركتموه ..

ينظر الغرب للشرق “على انه يسلب المرأة حقوقها ويمتهن كرامتها ( والشرق ينظر للغرب بانه حول المرأة الى سلعة ) وانه ينتقص من حق الزوج امامها ويضعف دوره “بما يخل بأواصر اللحمة والألفة التي تكفل بقاء الاسرة واستمرارها ؟ فهل من نظرية نافذة تسبر اغوار النفس في تقلب مكوناتها بين الدوافع والنزعات فتخرج بنظرة تزن بين الحالتين “في علاقة فطرية يستخلص منها تشريعات تفي بالحقوق وتصون الكرامة للطرفين “بما يعزز من اللحمة ويقوي اواصر الألفة بينهما في جو أسري تملئه المحبة ويسوده الاحترام المتبادل بما يعبر عن شراكة حقيقية لبناء أسرة متماسكة ” يلتزم كل طرف فيها بمسئولياته والتزاماته تجاهها بعيد عن مؤثرات الصراع التي قد تجلبها بعض التشريعات المتسرعة وغير محسوبة العواقب ” فتتراكم مشاكلها وتترسب آثارها…

بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق ( 1 ) خلق الإنسان من علق ( 2 ) اقرأ وربك الأكرم ( 3 ) الذي علم بالقلم ( 4 ) علم الإنسان ما لم يعلم ( 5 ). الدين علم والعلم في صميم الحقيقة بالنتيجة ،والحقيقة واحدة .. فاذا انشغل رجال الدين بالحاكمية والتشدد في الألفاظ القولية والمظاهر الشكليات والتفصيل المتعمق في الفروع ( بمعزل عن الواقع وبعيد الوعي المعرفي والتأثير الحسي ) فإن ذلك يحدث فجوة في فهم الناس وادراكهم وتوازن معيشتهم مع واقع حياتهم . ناهيك عن تتبع عثرات الناس وسقطاتهم في حياتهم العامة والخاصة “فان في ذلك فتنة تضل عن سواء السبيل ما بين منحرف تائه ومتشدد متطرف ! فالانصراف الى العلم والانتاج المعرفي…