الحوار

من المعلوم أن الحوار ليس مقصود بذاته ..” بقدر ما هو وسيلة تجمع كافة الأطياف و التوجهات الفكرية على أرضية معرفية مشتركة ..؟ عليه فإنه ليس مطلوب من الحوار ( كهدف ) ..” أن يتحول أي من الاتجاهات الفكرية إلى الطرف الآخر ( سواء كان يمين أو يسار أو  وسط ) فتلك القناعة و ذاك الفكر ! بقدر ما يكون الحوار وسيلة تجمع الأطراف و التوجهات على أرضية معرفية تحترم حق الآخر في الحياة و تتقبل و جوده و مشاركته الفاعلة ..” بشكل يدفع بالأطراف المتنافسة لتقديم الأفضل للمجتمع الذي ينتمون إليه ( في جميع المجالات و الميادين العلمية و العملية ) وفق أرضية توافقية لها أسسها المعرفية و آلياتها العملية , التي تضمن حق الجميع في المشاركة و لا تؤدي بالنتيجة إلى إقصاء أي من الأطراف أو إلغائه ..” فكل له مقوماته الثقافية و منطلقاته الفكرية التي تعبر عن ميوله و وجوده و توجهه . لا أن ينشغل الجميع عن ذلك في حيثيات صغيرة و خلافات هامشية جزئية ..” تجيش لها الألسن بكلمات و مواقف تفرق الصف و تبعث بالكراهية و الأنانية و العداوة و التناحر ( الذي يجمد الحراك و يعطل الإنتاج ) على حساب الكل و المصير و الوطن ..؟! فلا تجد بوادر للتنافس الايجابي الباعث للحراك الفكري و الإنتاج المعرفي ( بجميع أشكاله و صوره و ألوانه و توجهاته ) بقدر ما يكون الحراك معلق بالمصالح الشخصية البحتة ( التي تزداد وطئتها فتدخل الجميع في الأنانية و حب الذات و الطمع و الجشع الذي يدفع بالتجاوزات النظامية و الفساد الإداري و المالي ..؟!  فأين المتنافسون بالإنتاج المعرفي ( أدبيا و ماديا ) أم أنهم مجرد ناقلة مقلدة ..” تتبع أثر من قبلها عن اليمين و عن اليسار وليس لها في الإنتاج أثر أو مكان ؟

أما ما يتعلق بالقضايا المطروحة للحوار ( بعد وضع الأرضية المعرفية و الآلية النظامية التي تكفل لكافة التوجهات الفكرية بالمشاركة ) فإنها خاضعة للخلفية الثقافية و المرجعية الفكرية لكل طرف ليبدي رأيه في تلك المسائل من خلالها ..

والسؤال الجوهري الذي يقف عليه مدى فاعلية الحوار من أساسه ؟

من الذي ينظر في مجمل الآراء المطروحة من مختلف التوجهات المشاركة ( و يملك حق القرار في الأخذ بأي منها مرجحاً أفضليته على الآخر لما يرى فيه من ملامسة للواقع و شمولية في الطرح و تفصيل للنتيجة من جميع النواحي ؟ )

فإن كان النظام ”
فهذا يفقد مضمون الحوار المنعكس على المجتمع بالنتيجة من ناحية المشاركة !

أما إذ كان المجتمع ..”
فإن ذلك يتطلب حراك مكثف و تشريع شامل لمؤسساته المدنية , كي يشارك من خلالها بفعالية تحقق التوازن بين مختلف التوجهات الفكرية حسب الميول الثقافي و التخصص العلمي و المجال العملي ( بشكل شامل لكافة أطيافه و مكوناته ) وبذلك يكون مؤهل لاتخاذ القرار و تحمل مسئولياته . كمرحلة تهيئ للعمل السياسي و الانتخاب البرلماني المنتظم لمختلف التوجهات المستقلة و التكتلات المعتبرة حسب الانتماء الفكري و الطرح ألبرامجي الذي تتنافس فيه كافة المكونات و الفعاليات لبناء الوطن وخدمة المواطن ..” وليس على أساس التحيز العرقي أو التحزب المذهبي الذي يتعارض مع الانتماء الوطني ولا يخدم المجتمع ككل ..؟!

 

فعندما تؤدى الحقوق تفرض الواجبات وعندما تسن التشریعات تفرض الرقابة على تنفیذھا فتكون المحاسبة مقیم لنتائجھا ، فالأمور تبعا لمقتضیاتھا ولا یمكن إخراجھا عن سیاقھا أو تجزئتھا و فصلھا عن مضمونھا ؟ فالعدل في أداء الحقوق والحریة بوعي ثقافي تعد من أھم أركان الثقافة المتصالحة الجالبة للسلم الفكري الذي تشيع فيه لغة الحوار مع الاحترام المتبادل .وما لذلك من أهمية كبرى في تحقيق الأمن الاجتماعي .

فالعدل و الحرية يعدان من العوامل الأساسية في الحياة و من المقومات الرئيسة للثقافة المتصالحة الجالبة للسلم الفكري و الأمن الاجتماعي الذي تحترم فيه الحقوق الأساسية للفرد , القائمة على أساس المبادئ الإنسانية بنظریاتها الأدبية التوافقية الجامعة لأبعادها الأخلاقية و ممارساتها العملية على المستوى الإنساني للعيش المشترك . وهذا ما يعزز من مفهوم الثقافة المتصالحة مع نفسھا ..” المتفاعلة مع محیطھا المحلي وقطرھا الإقلیمي وبعدھا الدولي كثقافة إنسانية أساسية مشتركة  .

و ھذه المقومات تعد من ركائز الدول المتقدمة وشرط لازم لنهضتها كمحصلة للتنوع الثقافي المتصالح مع نفسه . فالكرامة الإنسانیة ھي مبدأ الفكر السلیم و مصدر الإلھام والحوار والاحترام والمحبة والسلام و منبع العطاء المحفز للنفس على العمل و الإنتاج والإبداع ..” قال تعالى :ولقد كرمنا بني آدم .. الآية

وليعلم من به شيء من ريبة أو توجس يدفعه للشك و التخوين الممنهج ؟! وغير المبرر إلا من جهل أو توجه متشدد و متعصب ..” فليعلم :  أن الحرية و المساواة و حقوق المرأة و الطفل ( هي دعوة و نظام لحفظ الحقوق و رفع الظلم ومنع التعدي الناتج عن الإهمال و الفوضى و الاستحكام القهري على حياة الإنسان ..” حسيا و معنويا و عضويا  ) .

ولا تعني بأي حال من الأحوال الانسلاخ من العرف الاجتماعي أو الدعوة إلى الانفلات الأخلاقي ..” كما يدعي المرضى بدء الشك و الريبة و التخوين من المتعصبين الذين يشوهون الحقائق العلمية و المقاصد الإنسانية النبيلة ( كي لا يفقدوا سطوتهم المستحكمة على الآخرين ) .